الشيخ داود الأنطاكي

167

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

ضرورة إلى الراحة لتتوفر الرطوبات وتستريح القوى ، فكانت هي السكون فإذا هما كالنوم واليقظة في الزيادة والنقص والاعتدال وما يلزم من المنافع والمضار ، فإن طالت الحركة جففت وأنهكت أو السكون رَطُب وبَلُدَ . وتنقسم الحركة المعبر عنها بالرياضة إلى كلية ، وهي ما تحرك فيها البدن كله كالصداع ، وجزئية ، وهي ما حرك فيها عضو واحد كالغناء لآلات النفس والكتابة لليد . وكل اما بذات البدن كالعدوِّ أو بغيره كالاراجيح ، ولا شك أن حركة البدن بغيره أجود . قال الشيخ : وأجودها الاراجيح ؛ لأنها تحلل الفضلات وتنعش الحرارة وتلطف . وقال جالينوس : ركوب الخيل أجود ؛ لاختراق الهواء وكثرة الانتقال . وقال قوم : المشي أجود . والصحيح : أن الاراجيح أجود مطلقاً ، ونحو جذب القسِى والشِّباك خيرِ لليدين والكتفين وحلج القطن للرجلين وركوب البقر للرأس والعينين ، هذا هو الأصح عندي . ثم أقول أيضاً : إن لاختلاف الصنائع دخلًا في ذلك ، فالحدادة شتاء للبلغمي والقصارة صيفاً للصفراوي والصباغة خريفاً للسوداوي والعمارة ربيعاً للدموي ، موجب للصحة قطعاً . واما طول الحركة وقصرها واعتدالها وكون كلٍ اما قوياً أو ضعيفاً أو معتدلًا فلا يخفى تفصيله . واعلم : أن الرياضة قبل الاكل واجبة قطعاً ؛ لاثارتها الحرارة وتحليلها الفضلات السابقة ، وما دام البدن ينمو والقوة تزيد فاستعمالها حسن وإلّا وجب قطعهاً ، ثم التغميز والدلك ثم الاكل . ولا يرتاض ناقة « 1 » ؛ لضعف مزاجه ولا صفراوي ، فيقع في الغشي ولا حامل لتحلل الفضلات في غذاء الجنين فيضعف . تنبيه ينقسم الدلك والتكبيس كانقسام الرياضة إلى كثير وقوي وعكسهما ، ومعتدل كذلك . والدلك بالخشن يشد البدن ويجذب الدم إلى

--> ( 1 ) النّاقِه : هو المتمايل من مرضه ، إلّا أن قوته لم تثبت اليه على التمام . )